18-07-2026, 08:32 PM
|
|
|
بين الخلع والتطليق للضرر
شرع الله عز وجل الزواج سكنًا ومودة ورحمة بين الزوجين، ورسمت شريعتنا الغراء طريقًا واضحًا يحقق المقاصد المرجوة من بناء الأسرة، بداية من الخطبة والمواصفات المثلى للمخطوبين، مرورًا بالزوجية وحقوق وواجبات طرفيها، ونهاية بالنصيب المستحق فى تركة مَن مات منهما أولًا، لكن سفينة الزوجية قد تصادفها أمواج المشكلات والخلافات بين الزوجين، فهى تتغلب عليها تارة وتعجز عن مواجهتها أخرى، وعندئذ يكون إنهاء الزوجية أفضل من بقاء سفينتها تتلاعب بها الأمواج وتتقاذفها يمينًا وشمالًا!
ومن الحلول المشروعة لإنهاء الزوجية الطلاق الذى جعله الله بيد الزوج ليس تفضيلًا له ولا إيثارًا كما يظن بعض الناس، ولكن تضييقًا لدائرة التطليق؛ حيث إن الرجل أكثر من المرأة تأنيًا وضبطًا للنفس فى إيقاع الطلاق. ولما كان الشارع الحكيم يريد الحفاظ على الزوجية متى أمكن ذلك؛ فقد جعل الطلاق ثلاث طلقات متفرقات بين كل طلقة ثلاثة أشهر غالبًا، وربما أكثر من ذلك متى كانت الزوجة حاملًا، حتى إذا راجع الزوج والزوجة أنفسهما وندما على إنهاء الزوجية، أمكنهما استئناف الزوجية من جديد مرتين، وذلك بعد الطلقة الأولى والثانية.
ولم يجعل الشرع الحنيف إنهاء الزوجية بيد الزوج وحده، بل جعل للمرأة الحق فى طلب إنهاء الزوجية فسخًا إذا اكتشفت عيبًا بالزوج يصعب عليها تقبله نفسيًّا أو بدنيًّا، أو اكتشفت أنه لا يحل لها أصلًا، كما لو كان أخًا لها من الرضاعة، وهو حق يملكه الزوج أيضًا، لكن الزوجة تنفرد بنوعين من الفرقة لا يملكهما الزوج، وهما: طلب التطليق للضرر، كما لو كان الزوج سيئ العشرة، أو كان لا ينفق عليها النفقة الواجبة عليه شرعًا، أو غاب عنها زمنًا طويلًا فى سفر ونحوه، والقاضى هو الذى يوقع الطلاق فى هذه الحال وليس الزوجة، حتى يتخذ ما يلزم من إجراءات ويقوم بمحاولات الإصلاح من خلال إقناع الزوج بالكف عن الإساءة لزوجته وإلزامه بذلك، وقبول الزوجة الصفح عنه، فإن كان سبب طلب التفريق عدم الإنفاق مثلًا، وألزمه القاضى به فالتزم، فلا حاجة للتطليق، وإن كان للسفر فقبِل الزوج العودة أو أخذ زوجته برضاها لتقيم معه حيث يقيم، استمرت الزوجية، وهو مراد شرعنا الحكيم، وإلا كان ما لا بد منه، وهو التطليق للضرر رغمًا عن الزوج، مع ضمان حقوق الزوجة المالية الواجبة على الزوج.
أما الطريق الآخر الذى تملك به الزوجة إنهاء الزوجية، فهو الخلع، والأصل فى الخلع قول الله عز وجل: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»، وما رُوى أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى، صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس، أمَا إنى ما أعيب عليه فى خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام. فقال رسول الله: «أتردين عليه حديقته؟». قالت: نعم. قال رسول الله: «اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقة».
|
|